أبدا لا يوجد أخطر على البشرية من استخدام نتاجات العلم المعاصر بصورة غير محدودة. كما أن فرض العوائق والقيود للحيلولة دون الحصول على العلم والمعرفة الإنسانية البناءة يعد من أكبر المخاطر الضارة بنمو وتطور الجوانب الحيوية للإنسان وما قد يحقق له من امن وسلم عالميّ على كل المستويات، السياسية منها، والاقتصادية، والاجتماعية، والسيكولوجية؛ جوهر كل تقدم إنساني ونهوض.
التوظيف الكلي للعلم أو ما هو مرتبط به جزئيا من استدلالات استقرائية واستنتاجية – Deductive and Inductive Conclusions في أي مجال لا يعمل على تنمية الشخصية الإنسانية وما ليس فيه للإنسان من رفاه معيشي وصحي ونفسي واجتماعي وروحي ما هو إلا رخص وبذاءة وابتذال لما هو قيّم بناء، وهو حتما ما استمر وهذه النزعة سيؤول إلى كارثة إنسانية قد يكون احد نتاجاتها اختزال الوجود البشريّ وتهديد صور وأشكال الحياة البشرية إلى درجة قد لا تحمد عقباها.
علم الوراثة المعاصر أو ما يعرف بهندسة الجينات – Genetics Engineering ما استمر التلاعب والعبث في معطياته قد يفضي بنا إلى كارثة قد تحط من إنسانية الإنسان وقدره وكرامته كمخلوق حر كريم يتمتع بشرف العقل والوعي والإرادة الفاعلة عند الإقدام على ما فيه تقدير واختيار.
علوم وفنون الجراحة اليوم سواء ما يختص منها بالتجميل الجسدي أو جراحة المخ والأعصاب أو غير ذلك من الجراحات الحرجة والحساسة، ما لم تحاط بسياج أخلاقي وتشريعي رفيع، يحفظ للإنسان طبيعته وهيبته وعزته وكرامته ومرضاته لذاته وتقبله لما قسم له ابتداء، هي الأخرى عرضة إلى أن تجعل منا أصحاب شخصيات متقلبة لا تعرف الاستقرار والثبات، شخصيات يعاني أصحابها من سلوك متذبذب قد لا يحفظ لأحد سجاياه وسماته سواء تعلق الأمر بما هو فطري أو مكتسب.
تجاهات تحويل النوع وفتح المجال للتنقل بين الذكورة والأنوثة، وما قد يصاحب ذلك من تغير في الإدراك والتصور والتفكير والشعور وما هو مرتبط بذلك من معتقد وسلوك صار اليوم عبثا يمارس باسم التطبيقات العلمية وباسم الحرية الفردية ليكتشف بعد حين أنه خطر داهم يتهدد كينونة الفرد بل كل بناء اسري وجماعي ومجتمعي وثقافيّ وحضاري سوي وما فيه من عناية ورعاية وحماية للفرد والأسرة والمجتمع من كل رذيلة أخلاقية؛ ولكن لربما يكون الأمر بعد فوات الأوان!!
استخدام وتوظيف العقاقير الطبية خاصة تلك المستخدمة في معالجة القضايا العقلية والنفسية واضطرابات السلوك والشخصية، مع عامل الزمن قد تجعل ممن يتعاطاها في حالة تفاعل وانفعال تحكمه طبيعة الكيمياء وفيزيائية المادة وما بينهما من أوجه علاقات قد تستهدف الوعي والدماغ، وبدلا من تحقيق الانسجام والتكيف والاتزان مع النفس والذات يحدث ما هو عكس ذلك تماما ليسود الاضطراب السلوكي فالصراع النفسي المرير فالاحتدام والصدام في واقع الأسرة والجماعة والمجتمع وما قد يترتب على ذلك من تبعات سياسية واقتصادية واجتماعية حتما ستعيق مشاريعنا التنموية البناءة.
التكالب على امتلاك التفوق التقني غير البناء وكما تجسده خيارات اللجوء إلى التصنيع النووي العسكريّ لا المدنيّ، والسهر ليل نهار من اجل تطوير وبناء الترسانات النووية الضخمة وما هو مرتبط بها من أسلحة ذرية تكتيكية وإستراتيجية فتاكة أضحى من أكثر بواعث الخوف والقلق التي يكمن فيها خيار الحتف والفناء المتبادل في حال اندلاع شرارة حرب غير تقليدية قد لا تبقي ولا تذر.
معيار الذاتية أو الحزبية أو القطرية أو القومية أو الطائفية أو الاثنية أو أي معيار آخر لا يراعي العزة والكرامة وما فيه ضمان تحقيق الحرية البناءة وصور المساواة والمآخاة والعدالة الاجتماعية بين البشر - كما هو ممارس اليوم في القرن الحادي والعشرون وما سبقه من عقود وقرون -أضحى نهجا يتهدد الإنسان والاستقامة الإنسانية بعد أن أخذنا نوظف المعارف والعلوم لخدمة هكذا غاية لا نبل فيها، لا تساعد لا من قريب ولا من بعيد في نسج علاقات إنسانية حميمة شفافة، سواء على المستوى الفري أو الجماعي أو الامميّ.
حقا لقد جن جنون الإنسان المعاصر إلى درجة تراه اخذ يطور ويوظف المعارف والعلوم في اخطر المجالات المعبرة عن حجم الاستجابة لعبادة الذات والأنا وغرائز الموت والدمار؛ في المجالات العسكرية العدوانية المحكومة بنوايا الهجوم والانقضاض على الآخر وتهديد وجوده لا الدفاع عن العزة والكرامة وشرف الذات وحماية الحياة وقدسية الوجود، إلى درجة صار الأمر همّا يحكم واقع قول وفعل العديد من الدول الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبريطانيا وفرنسا والهند والصين وغيرها من تلك الدول التي لا تأبه في أن تجعل من نفسها وطبيعة وجودها ندا للآخر وضدا.
هذه الدول بدلا من التوظيف العلمي لما هو إنساني بناء تراها ولو على حساب الشؤون التربوية والتعليمية والصحية أو غير ذلك من شؤون صناعة الرفاه والحياة للإنسان، مصرة مع سابق إصرار وترصد على مضاعفة تفوقها العسكري الكمي والنوعي، لا لما ينفع البشرية ومسار تطورها ونموها إنما لتسريع لحظة الوقوع في شرك قرار الحتف الجماعي أو الامميّ المتبادل؛ لحظة قد نكون فيها صرعى كأعجاز نخل خاوية، بسبب لوثة هوس أو لحظة جنون أصابت من بيده القرار، وهو يأن تحت وطأة أثر تعاطي جرعة سموم أو نشوة مخدر.
نهج ثقافة إشاعة الخوف من الآخر بل لربما الترويج إلى إقصائه واستئصال وجوده إن أمكن كما يشتم من روائح طبائخ بعض الصالونات السياسية والعسكرية وما تبثه بعض الفضائيات العنصرية المؤججة لنيران الصراع والفتنة حتما سينكس فينا - ما بقي يوظف - مشاعر الإنسانية البناءة، ويوجهها نحو الكراهية والضغينة، وكل ما من شأنه - بالتالي - قتل الشرف الإنساني، وقتل الروح المعنوية البناءة، وكل دافعية تحمل في طياتها بذور الخير والنماء والعطاء، وليتأصل فينا عندئذ وليتفشى العنفوان والعدوان والجور والظلم والطغيان.
إن تعاظم روح الشر يوما عن يوم وكما تمثلها وتتمثلها البيروقراطيات السياسية والعسكرية في الأرض لأعظم خطر على الإنسان والإنسانية؛ خاصة في زمن تراجعت فيه النظم القيمية والأخلاقية المستندة إلى الحق الأزلي التليد، وكل ما فيه من صور وأشكال الحب والتعاون والتعاضد والتفاهم والحوار، الذي أسه التعايش والتقبل والاحترام المتبادل لا غير ذلك من أسس الحط من قيمة الإنسان وقدره ومكانته كمخلوق حر كريم خلق في أحسن تقويم، وفضل بقرار رباني حكيم على غيره من العالمين.
صور البشاعة التي جسدتها حروب القرن العشرين وفظاعاتها ـ وما أكثرها ـ وما استهل به جورج دبليو بوش وبلير وأزنار الألفية الثالثة من شن حرب جنونية وهمية عبثية ضلالية في كل من أفغانستان والعراق، وما وظفه العسكر في تلك الحرب من علوم ومعارف ما هو إلا إسقاط سيكولوجي صارخ- An Extreme Psychological Projection عبر أصحابه من خلال فعله هذا عن حجم ذلك الاحتقان الداخلي الذي يرى فيمن لا يذعن ويركع ويسجد للتجبر والطغيان شرا مستطيرا يجب استئصاله اليوم قبل غد!!
مثال جنون ردة فعل القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية في حرب لبنان الأخيرة (تموز/ 2006م) بذريعة أسر وخطف تنظيم معاد لجنديين إسرائيليين كانا قد تجاوزا الحدود بين لبنان وإسرائيل لمؤشر آخر على حجم ذلك الورم النفسيّ الخبيث الجاثم على صدور من يصنعون القرار السياسي والعسكريّ ممن كانوا يتربصون وينتظرون فعلا صغيرا يقوم به (الآخر) ليشن على لبنان وشعبه حربا وقودها الناس والحجارة، وليكون الثمن في نهاية المطاف ذلا وهوانا لمن استوطن الشر عقله وقلبه واستحكم في طرقات مداركه وتفكيره؛ ذلا باعتراف من هم خبراء في شؤون الحرب والسلم في إسرائيل نفسها وفي العالم العربي والغربي على حد سواء.
كل هذا ما كان ليكون لولا السباق التقنيّ المحموم في العمل على تطوير وتوظيف كل علم وكل معرفة ليس فيها للإنسان حياة ولا رفاه.
لو كانت الاستجابات بحجم ما تتطلبه المواقف من ردة فعل لما كان الذي كان من فواجع وفظائع قتلت وأثخنت وأدمت القلوب وأبكت أصحابها بدل الدمع دما. إنها نوايا السوء والعدوان المبيت الذي مراد ومبتغى أصحابه اختبار ما ابتكرته عقولهم وصنعته أيديهم من تقنيات الخراب والدمار!!
وقبل أن يستوقفني نفاذ الفكرة، أقول: بان كل إنتاج علمي ومعرفي لا يأخذ بالحسبان صناعة الحياة وحفظها، وحفظ نوع الانسان وجنسه البشري، وحفظ الحرية والعزة والكرامة، والحق في الوجود، لا محال من تهديده لمن هم قائمون عليه ولمن هم حولهم وفي محيطهم ممن هم مسالمين وأبرياء.
علم حل المشكلات لا افتعالها وإيجادها. وعلم البناء لا الهدم والفناء. وعلم التنمية البشرية النوعية والانتقائية لا الكمية والعشوائية والغوغائية. وعلم الرضا المعنوي لا ما فيه صور وأشكال عبادة الذات والشهوات والملذات والتعلق بالمادة، هو المطلب الأساس فيما إذا أردنا حقا مواجهة ما اعترانا من تيه وظلم وقهر واستبداد.
انتهاج سبل الحكمة السياسية وكل ما فيه حياة الأفراد والأسر والجماعات والمجتمعات والشعوب والأمم هو الطريق الوحيد لبناء عقليات ونفسيات خيرة نيرة لا مكان فيها لأي من سلوكيات الجنوح والانحراف والشذوذ والانحلال.
وكل هذا أبدا لن يكون ما بقي الإنسان المعاصر شاردا في تصوره وفكره ومعتقده عن أعين الله الحي القيوم الذي لا ينام، وما بقينا بجد معرضين عن وجوب الانتماء إلى عالم السماء السرمديّ الأبدي الذي لا يعرف انتهاء ولا فناء.
الإصرار في التنكر إلى الله الخالق الموجد الذي لا يغفل طرفة عين عما يفعل المجرمون ومنهجه العام وناموسه الخاص الذي يحكم الوجود والإنسان والكون والحياة يعني حتما الزيغ عما فيه للبشرية من رفاه وحياة، والذي حتما شئنا أم أبينا سيكون الجزاء فيه من جنس العمل.
على إنسان القرن الحادي والعشرون أن يعمل كل ما بوسعه، وبكل ما أوتي من سبل الحكمة والقوة والرحمة لتنمية وتطوير كل معرفة فيها حياته وعيشه واستمرارية وجوده بأمن وسلام. ولتكن ركيزة الانطلاق انتهاج وفعل كل ما لا مناهضة فيه لفطرة ربانية أو طبيعة إنسانية.
وسيبقى الإنسان ذاته بحكم ما خلق عليه وركب فيه من استواء الطبائع والفطر هو المعيار الذي تقاس عليه الأمور ومجرياتها، لا مقاييس الاحتكام إلى الغرائز والهوى ومظاهر الشرود والشذوذ عما هو طبيعي وفطري واستقامة وسواء.
يقينا علينا أن نعلم جيدا بأن العودة إلى من خلق حتمية الحدوث، هذا بعد أن يذوق الإنسان شيئا من نتاج وحصاد علمه وعمله وما اكتسبت يداه في الحياة الدنيا؛ ليكتمل مشوار جرد وتسديد فاتورة الحساب في الحياة الأخرى.
ونهاية ما على الإنسان إلا أن يدرك ويعي تمام الوعي والإدراك مدلول قوله تعالى: [فمنْ يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومنْ يعمل مثقال ذرة شرا يره] سورة الزلزلة: 7، 8.
هذا ولا يفوتنا التذكير بقوله تبارك وتعالى: [وأنْ ليس للإنسان إلا ما سعىْ. وأنّ سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفي. وأنّ إلى ربك المنتهى] سورة النجم: 39-42.








