هل تراجعت العلوم الانسانية فـي ظل العولمة؟
رياض حمودة ياسين
لا ريب أن العلوم الإنسانية تختلف عن العلوم الطبيعية لأن موضوعها العام هو'' الإنسان في المجتمع إزاء العالم '' ،فهي بذلك لا تستطيع أن تعتصم بعزلتها بحجة التخصص العلمي الدقيق، ولا بد ان تجد نفسها منخرطة في صميم الواقع الإنساني والاجتماعي، غير ان هذا الانخراط ، على وضعها الذي نريدها أن تتجاوزه، كان انخراطا لا يواجهه الالتزام العلمي بقدر ما كان يسيره نفوذ عناصر أخرى خارج العلم. وبذلك جاءت انساقها مفتوحة الطرفين، تدلف من قمتها الفلسفات والأيديولوجيات والتقويمات دون رقابة ، وتتسرب من قاعدتها التعميمات التجريبية دون أن تؤسس رصيدا متفقا عليه من الفروض المحققة.
ورغم أن مهامها أن تدرس كل نشاط إنساني في كل مجال يزاوله الفرد أو الجماعة في الفكر والعمل، إلا انها ظلت قائمة بدور التابع المتواضع للفلسفات والايدولوجيات والقيم .
لذلك توجب علينا أن نعيد النظر في صلتها بكل ذلك، لا لنقطع هذه الصلة مطمئنين إلى وهم التخصص ، بل لنعيد توزيع الأدوار. وإذا اجيز لنا أن نستخدم الاصطلاح العسكري فيمكننا أن نوجز المسألة على النحو الذي يميل على الفصل التكتيكي - أي القصير المدى - بين العلوم الانسانية من جهة والفلسفة والأيديولوجية من جهة أخرى، ولكن لتأمين الوصل'' الاستراتيجي'' -أي البعيد المدى '' - بينها وبين سائر المجالات.
ومتى رأت العلوم الانسانية في العلوم الطبيعية وتكنولوجيتها قوة رئيسية من قوى التحول الاجتماعي، فإن هذه القوة لن تظل طويلا آداة عاجزة في قبضة قوى ومصالح تدفعها بمنأى عن التقدم الاجتماعي والروحي. فعلوم الإنسان والمجتمع تعاوننا على أن نرى العلم في سياق أوضاع الحاضر ومشكلاته، وفي ضوء المستقبل الممكن تحققه كذلك. فهي تكشف دلالة أو اهمية الحركات والمطالب الاجتماعية واتجاهها. فلقد نشأت مأساة الإنسان أغلب الأحيان من نجاحه في تحقيق ما توهم أنها أهدافه وغاياته، والعلوم الإنسانية هي التي في وسعها أن تميز نصيب الوهم أو الحقيقة في تلك العناصر المؤلفة للمطالب والحاجات الفردية أو الاجتماعية، وتهيئ لنا بذلك التحرر والقوة متى أظهرت زيف أهداف معينة أو استحالتها ومتى عينت لنا المنهج الملائم الذي نحقق به غيرها.
تدور معظم الصعاب الخاصة بموضوع العلوم الإنسانية وهو الإنسان والمجتمع حول القضية الأساسية القائلة بتفرده ، وما يتصل بهذا التفرد من تعقيد ، وسرعة تغيير، وغيرها مما يفضي إلى تعذر استخلاص التعميمات ، والتنبؤ بها، وإجراء التجارب واستخدام القياس. ففي التجربة المنضبطة التي يزاولها الباحثون في العلوم الطبيعية يمكن للمجرب أن يعالج بإرادته في حدود معينة، بعض السمات والخواص هي الموقف التجريبي الذي يوجهه، وهي التي غالبا ما تسمى متغيرات أو عوامل يفترض أنها تؤلف الشروط المناطة لوقوع الظواهر محل الدراسة ، وهذا لايتيسر في العلوم الإنسانية ،فإدخال متغير معين إلى موقف اجتماعي قد يؤدي إلى تعديل لا يقبل عكس مساره في المتغيرات المناطة.وربما يواجه المتعاطون مع هذه الدراسات صعوبات أخرى لها علاقة بالظروف المحيطة السياسية والثقافية التي قد تدفع باتجاه تبني رؤية معينة لا تخرج في اطارها العام عن مسايرة البنى المؤسسية والمجتمعية القائمة بحيث يجري طغيان المصلحة السائدة بمسايرتها على حساب دراسة الظاهرة الاجتماعية بأبعادها.
الملفت للانتباه أن هذه العلوم بدأت تنحسر ،سواء على صعيد الاهتمام بها من قبل الدارسين ومؤسسات البحث ،أو على صعيد ضعف توجيه موازنات الدول للاستثمارفيها ،الامر الذي من شأنه أن يحافظ على ادامة البنى الفوقية للمجتمعات في ظل الاعصار التكنولوجي ذي الطابع الرقمي الذي بات يحكم صيرورة توجهات التحديث في العالم ، فالعولمة باتت تفرض شروطا وتحديات على الثقافات المحلية للشعوب في محاولة لتغييب روحيتها وأصالتها الامر الذي يحتم الالتفات بصورة اكثر جدية ومنطقية للدراسات الانسانية للمحافظة على الهوية الثقافية للمجتمعات التي تعد الذخيرة الحقة لتقدم المجتمعات وامتدادها الافقي في المستقبل.
هل تراجعت العلوم الانسانية فـي ظل العولمة؟
رياض حمودة ياسين
لا ريب أن العلوم الإنسانية تختلف عن العلوم الطبيعية لأن موضوعها العام هو'' الإنسان في المجتمع إزاء العالم '' ،فهي بذلك لا تستطيع أن تعتصم بعزلتها بحجة التخصص العلمي الدقيق، ولا بد ان تجد نفسها منخرطة في صميم الواقع الإنساني والاجتماعي، غير ان هذا الانخراط ، على وضعها الذي نريدها أن تتجاوزه، كان انخراطا لا يواجهه الالتزام العلمي بقدر ما كان يسيره نفوذ عناصر أخرى خارج العلم. وبذلك جاءت انساقها مفتوحة الطرفين، تدلف من قمتها الفلسفات والأيديولوجيات والتقويمات دون رقابة ، وتتسرب من قاعدتها التعميمات التجريبية دون أن تؤسس رصيدا متفقا عليه من الفروض المحققة.
ورغم أن مهامها أن تدرس كل نشاط إنساني في كل مجال يزاوله الفرد أو الجماعة في الفكر والعمل، إلا انها ظلت قائمة بدور التابع المتواضع للفلسفات والايدولوجيات والقيم .
لذلك توجب علينا أن نعيد النظر في صلتها بكل ذلك، لا لنقطع هذه الصلة مطمئنين إلى وهم التخصص ، بل لنعيد توزيع الأدوار. وإذا اجيز لنا أن نستخدم الاصطلاح العسكري فيمكننا أن نوجز المسألة على النحو الذي يميل على الفصل التكتيكي - أي القصير المدى - بين العلوم الانسانية من جهة والفلسفة والأيديولوجية من جهة أخرى، ولكن لتأمين الوصل'' الاستراتيجي'' -أي البعيد المدى '' - بينها وبين سائر المجالات.
ومتى رأت العلوم الانسانية في العلوم الطبيعية وتكنولوجيتها قوة رئيسية من قوى التحول الاجتماعي، فإن هذه القوة لن تظل طويلا آداة عاجزة في قبضة قوى ومصالح تدفعها بمنأى عن التقدم الاجتماعي والروحي. فعلوم الإنسان والمجتمع تعاوننا على أن نرى العلم في سياق أوضاع الحاضر ومشكلاته، وفي ضوء المستقبل الممكن تحققه كذلك. فهي تكشف دلالة أو اهمية الحركات والمطالب الاجتماعية واتجاهها. فلقد نشأت مأساة الإنسان أغلب الأحيان من نجاحه في تحقيق ما توهم أنها أهدافه وغاياته، والعلوم الإنسانية هي التي في وسعها أن تميز نصيب الوهم أو الحقيقة في تلك العناصر المؤلفة للمطالب والحاجات الفردية أو الاجتماعية، وتهيئ لنا بذلك التحرر والقوة متى أظهرت زيف أهداف معينة أو استحالتها ومتى عينت لنا المنهج الملائم الذي نحقق به غيرها.
تدور معظم الصعاب الخاصة بموضوع العلوم الإنسانية وهو الإنسان والمجتمع حول القضية الأساسية القائلة بتفرده ، وما يتصل بهذا التفرد من تعقيد ، وسرعة تغيير، وغيرها مما يفضي إلى تعذر استخلاص التعميمات ، والتنبؤ بها، وإجراء التجارب واستخدام القياس. ففي التجربة المنضبطة التي يزاولها الباحثون في العلوم الطبيعية يمكن للمجرب أن يعالج بإرادته في حدود معينة، بعض السمات والخواص هي الموقف التجريبي الذي يوجهه، وهي التي غالبا ما تسمى متغيرات أو عوامل يفترض أنها تؤلف الشروط المناطة لوقوع الظواهر محل الدراسة ، وهذا لايتيسر في العلوم الإنسانية ،فإدخال متغير معين إلى موقف اجتماعي قد يؤدي إلى تعديل لا يقبل عكس مساره في المتغيرات المناطة.وربما يواجه المتعاطون مع هذه الدراسات صعوبات أخرى لها علاقة بالظروف المحيطة السياسية والثقافية التي قد تدفع باتجاه تبني رؤية معينة لا تخرج في اطارها العام عن مسايرة البنى المؤسسية والمجتمعية القائمة بحيث يجري طغيان المصلحة السائدة بمسايرتها على حساب دراسة الظاهرة الاجتماعية بأبعادها.
الملفت للانتباه أن هذه العلوم بدأت تنحسر ،سواء على صعيد الاهتمام بها من قبل الدارسين ومؤسسات البحث ،أو على صعيد ضعف توجيه موازنات الدول للاستثمارفيها ،الامر الذي من شأنه أن يحافظ على ادامة البنى الفوقية للمجتمعات في ظل الاعصار التكنولوجي ذي الطابع الرقمي الذي بات يحكم صيرورة توجهات التحديث في العالم ، فالعولمة باتت تفرض شروطا وتحديات على الثقافات المحلية للشعوب في محاولة لتغييب روحيتها وأصالتها الامر الذي يحتم الالتفات بصورة اكثر جدية ومنطقية للدراسات الانسانية للمحافظة على الهوية الثقافية للمجتمعات التي تعد الذخيرة الحقة لتقدم المجتمعات وامتدادها الافقي في المستقبل.








