اميل دوركايم التماسك الاجتماعي والقواعد الاخلاقية

اميل دوركايم التماسك الاجتماعي والقواعد الاخلاقية
 
شهاب احمد الفضلي
 
عن جريدة الصباح العراقية

يعتبر اميل دوركايم(1858-1917) اكثر علماء الاجتماع شهرة ومجهوداته بهذا الصدد، كان لها الاثر الكبير في شتى الدراسات السوسيولوجية والانثربولوجية على السواء، وساعدت الى حد بعيد في تشكيل وبلورة الاتجاه الدوركايمي واسهمت في تدعيم علم الاجتماع والفلسفة  ومن ابرز مؤلفاته في هذا المجال”تقسيم العمل الاجتماعي “ و”الانتحار “  و”قواعد المنهج “ و”علم الاجتماع والفلسفة “ و”التربية الاخلاقية
 
تقسيم العمل الاجتماعي:
لقد بحث دوركايم وبشكل مبكر في كتاباته الاهداف والغايات من تقسيم العمل الاجتماعي وبشكل مميز في موضوعة الفوضى الاجتماعية وما تسببه مشيراً الى ان الاهواء الانسانية لا تقف الا امام قدرة اخلاقية تحترمها، وعليه فان التركيب الاجتماعي المضطرب بسبب التغيرات الاقتصادية لا يستطيع ان يلعب الدور المنظم، ما يعني ان دائرة مهمة من التجربة الاجتماعية تتحول الى فوضى، تؤدي الى ظهور النزاعات والاضطرابات المتجددة، ومن المؤسف ان ما يعطينا عنها الواقع الاقتصادي شيء محزن، حيث لا تتفق وفكرة اعتماد المجتمع الصناعي على قاعدة الاتفاق التعاقدي الذي يتم بين الافراد من اجل تحقيق اهدافهم ومآربهم الحياتية.
دون وجود اتفاق جمعي مسبق بينهم يعلو على الاتفاق الذي يكونه الافراد في المجتمع. وهناك نموذجان من الاتفاق يؤديان الى التماسك الاجتماعي الاول النموذج البدائي من الاتفاق الجمعي يأخذ شكلاً ميكانيكياً يعتمد على قاعدة الضمير الجمعي بينما النموذج الثاني(الحديث) يأخذ شكلاً في تقسيم العمل الذي لا يهدف الى زيارة كمية السرور او اللذة كما يراه علماء المنفعة، بل يهدف الى فرض مبدأ النظام الاخلاقي على الافراد.
وبحسب ما يراد دوركايم فان واجب علم الاجتماع لا يكمن في دراسة الفرد بل يكمن في دراسة الحقائق الاجتماعية التي تتميز بصفتين اساسيتين هما:-
1- الحقائق الاجتماعية باعتبارها اشياء خارجية بالنسبة للفرد.
2- تلعب هذه الحقائق الدور الكبير في فرض القيود على سلوك الفرد.
القواعد الاخلاقية
تعني”الحقيقة الاخلاقية “ لدى دوركايم”حقيقة اجتماعية “ وان القواعد الاخلاقية تصدر عن سلطة خاصة بموجبها تسلك سلوكاً اخلاقياً. والواجب عنده ياخذ بفكرة”الالزام الخلقي “ حيث الالزام عند دوركايم هو الخصيصة الاولية لكل قاعدة اخلاقية كما ان فكرة الواجب المجرد كما يراها”كانت “ هي فكرة صورية فارغة، لا تتضمن فكرة التخلف لاستحالة القيام بفعل لمجرد الواجب او الامر القطعي دون معرفة”ماهية “ الواجب ومضمونه وامكان الفكر فيه.
وهنا يمكن القول ان القانون الخلقي عند دوركايم لا ياتي عبر مسلمات” قبلية “ كما في”اخلاق “(كانت) بل ان الواجب الخلقي يصدر عن المجتمع واعتبار المجتمع كائنا متعاليا اعظم هو الذي يشكل الحياة الاخلاقية وشروطها، ومن ثم يكون الواجب الخلقي مفروضاً على الانسان الزاماً وقهراً واختلاف الثقافات في نظره ناشئ من اختلاف القواعد الاخلاقية لكل امة وشعب وما تتسم به حياتها الجمعية وما يسود في حقبة معينة من التاريخ.
وبهذا الصدد يقول: اذ كنا نريد دراسة الاخلاق دراسة موضوعية فلا يهمنا من هذين المظهرين”ويقصد بالمظهر الموضوعي  والمظهر الذاتي “ الا المظهر الاول لانه يعبر عن الحقيقة الخلقية، الموضوعية التي تعد مصدراً عاماً تستطيع بفضله ان تحكم على الافعال الفردية.
كما عالج وبمهارة فائقة مسألة الفعل الخلقي بالقول: ان الفعل الخلقي يتميز بانه في ذاته انما يهدف الى غاية من الغايات وتلك الغايات هي اما”فردية “ تعود الى الفرد او”جمعية “ تعود الى المجموع يحتم وجود قيمة خلقية محددة يتجه اليها الفعل الخلقي لتحقيق غايات فوق مستوى الغايات الفردية، لذلك فان تلك القيمة”الخلقية “ لابد من وجودها في عالم اخر يتمايز عن عالم الافراد تصدر عنه تلك القيم ذلك هو العالم الاجتماعي.
التماسك الاجتماعي
ان سلوك الفرد يتأثر بعامل التيار الجمعي الذي يستطيع العالم الاجتماعي مشاهدته وتسجيله بشكل معدلات ونسب احصائية.
اضافة الى ذلك فان التجريبية التي قام بها دوركايم معتمدة على الاسلوب الاحصائي في بحثه عن الانتحار الذي وضح فيه اسباب اختلاف معدلات الانتحار والتي اهمها اختلاف التيارات الاجتماعية التي يتعرض لها الافراد بين العسكريين وانخفاضها بين الجنود دفعت دوركايم الى الاعتقاد بان هذا النوع من الانتحار هو انتحار التضحية في سبيل الاخرين والذي يدفع الشخص المنتحر بان حياته اقل اهمية ممن ينتحر من اجلهم، بينما زيادة نسب الانتحار بين السكان البروتستانت اعلى من السكان الكاثوليك التي تعزى الى طبيعة النظام الاجتماعي الذي يفرض على الفرد العمل من اجل نجاحه، وهذه الحالة من الانتحار تسمى بالانتحار الفردي.
ذلك لان وحدانية انعزال الفرد عن المجتمع سببته ليكتشف بعدها وجود علاقة مباشرة بين التماسك الاجتماعي والانتحار وفي كلا الكتابين”تقسيم العمل “و”الانتحار “ وما بين موضوعيهما من ترابط ناشئ من تعقيد المقاييس الاجتماعية التي تعمل على احلال النظام او تتناقض معه، ما يؤدي الى ظهور التفسخ الاجتماعي واعتباره خطراً يجب الاهتمام به اجتماعياً وتجنب وقوعه ضرورة لابد منها.
ان ما تفرضه المقاييس الاجتماعية على الافراد وما تتمتع به من قوة تقيد دائما الافراد لابد من النظر اليها كأشياء يكتسبها الفرد خلال عملية التأثير الاجتماعي وهذا نابع من قدسية تلك المقاييس. وهذا ما دفع دوركايم الى اكتشاف مفهوم”اللاشرعية “ لقوة الانحلال في المجتمعات المعاصرة وجعله يشعر بان من غير الممكن حشر المفهوم الاجتماعي في اي مجال اخر، كما ان مفهوم”اللاشرعية “ يخدم على حد سواء”تقسيم العمل الاجتماعي” و”الانتحار “ كونه يؤشر نتائج خلل التوازن في الجسم الاجتماعي.
كما اهتم دوركايم بالتغيرات التي قد تخلق حالة من التحول الاجتماعي وركز بصورة خاصة على التضامن الاجتماعي والاخلاقي الاواصر التي تشد المجتمع بعضه الى بعض وتمنعه من الانزلاق الى الفوضى، وللحفاظ على التضامن ينبغي على الافراد الاندماج في مجموعات اجتماعية لتنظيم حياتهم وفق القيم والعادات المشتركة كما هو واضح في تقسيم العمل الاخلاقي حيث برز تحليلياً التغيرات الاجتماعية الناتجة عن مرحلة التصنيع وما اوجدته من”نوع جديد من التضامن “ وهذا التضامن يأتي على شكل نوعين هما التضامن الالي والتضامن العضوي من خلال تقسيم العمل في المجتمع.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية