الفلسفي- الكلي إتجاهات وتنويعات
محمد بن رمضان
ثمة علاقة أصلية بين ما هو فلسفي وما هو كلي، والذي تعين المبدأ الأصلي للتجربة الفلسفية ذاتها. إن الفلسفة من حيث نشأتها الأصلية ، كانت عبر توسط الكلي بإعطائه المنزلة والمعنى الذي جعله يحيا هنا والآن بعيدا عن كل ممارسة أسطورية . لقد كانت الأسطورة تحكي نشأة العالم المخلدة ، أمجاد الملك الذي يقيم حكمه بين القوى المقدسة نظاما ترتيبيا ...ولم تكن إلا نسيجا من العجائب .
إن الفلاسفة الأول مثل طاليس هم الذين أعطوا للكلي البعد الذي جعل الفكر يتحول إلى النمط المحايث للوجود الطبيعي، إذ من خلال الطبيعة حاولوا تفسير الطبيعة ، فطاليس عين الماء باعتباره مبدأ الأشياء، وهو لا يقصد بالماء مجرد العنصر الطبيعي الذي نعرفه، بل أساسا باعتباره المبدأ الذي يجعل الأشياء المتعددة مفهومة . لقد أعطي الفلاسفة الأول معنى جديدا للأصل ، يصفه وايزمان بقوله " إنها محاولة لجمع المتعدد في الواحد، والواحد ليس جملة المتعدد-الموجودات المختلفة- بل هو الأهم في كل شيء. والأهم نتيجة تقييم معياري . والمعيار عملية عقلية إذ تتجاوز الواقع وإن كان الواقع أساسه . و هذا الواحد هو الكلي ، بمعني الحقيقة الشاملة للكل ما هو موجود، من زاوية العقل".لدلك تفطن جيل دلوز إلي"أن العقل قد تجسد بغتة في أعمال فلاسفة الطبيعة فنزل من السماء إلي الأرض ليظهر لأول مرة في تلك المدينة علي مسرح التاريخ".
إن نشأة الفلسفة إدا اقترنت بالتحول في فهم الكلي وتحويله من التعالي الأسطوري إلي التعالي العقلي ليكون هكذا مبدأ تعقل الموجود بما هو كذلك محايث لما هو طبيعي فهو مبدآ معر وفية الموجود في تعدده ، ومبدأ حوار ونقاش و ليس سرا يحتكره الحكيم ويختص به دون غيره. اقترن الكلي بصيغة مغايرة للفكر والتفكير وتحويله من – العجيب- إلى اللوغوس العقلي وما يقتضيه من حوار ونقاش وهو ما اقترن بالفضاء العمومي أي بوجود المدينة كما ذهب في دلك جان بيار فرنان . فالمدينة أمنت:
أ/تفوق الكلام على كل وسائل السلطة . فالكلام قد غدا الأداة الأساسية بامتياز. مفتاح كل سلطة في الدولة . وسيلة قيادة وسيطرة علي الآخرين. هذه الفعالية للكلام لم تعد مقتصرة على الطقوس الدينية بل أصبحت تجسيدا للحوار وللجدل واستخدام البراهين والحجج في وجه الخصوم وبدلا من أن تكون المسائل التي تخص المصلحة العامة من اختصاص الملك أصبحت توضع تحت نظر الجدل والنقاش.
ب/الدعوة العلنية لكل مظاهر الحياة الاجتماعية وأصبح الحوار والبرهنة والجدال قواعد اللعبة الفكرية والسياسية على السواء
ج/ أفول الأصنام الدينية . فالحماية التي كانت تؤمنها العناية الإلهية سابقا للمحظوظين ستكون من الآن فصاعدا من نصيب كل الجماعات.العبادة أصبحت شعبية والمعبد أضحي مفتوحا أمام الجماهير.
لخص فرنان التحول العميق في بنية الخطاب الفلسفي وتعيينه الكلي مبدأ تعقل و ممارسة"أحدث الفلاسفة الأول مفاهيم تدل على نظام كوني لا على قوة الإله جبار وسلطة ملكية وإنما علي قانون عدالة منحوتة علي الطبيعة وقاعدة توزيع"نوموس" تفترض بالنسبة لجميع العناصر المكونة للعالم نظاما متكافئا بحيث لا يستطيع أي عنصر أن يطغي . إنه توجه هندسي من حيث أن الأمر لا يتعلق بنسج تسلسل أحداث روائية وإنما باقتراح وإضفاء صورة على العالم أعني أن نعرض علي الأنظار مسار الأمور ومجراها بأن نضعها في إطارها المكاني:هذا لم يكن معجزة إغريقية"
إذا تعين الكلي قوام للتجربة الفلسفية ضمن البعد الذي يجعلها تحضر خطابا مغايرا لغيره فإن الفلسفة قد كونت الكلي ضمن البعد الذي لا يكون إلا تكوينا مكوِّنا-بكسر الواو- مكوَّنا-بفتح الواو-من خلال تجذير علاقة الموجود بالوجود: فكيف يتكون الكلي بما هو كلي ككلي والحال أننا نغرق في الجزئي وفيما هو مباشر؟ إن ما يتكون لا يكون إلا ضمن الخاصية التي تجعله قابلا للتعديل ولإعادة التفكير ولدلك كان الكلي مكونا تكوينا إشكاليا مفتوحا علي إعادة صياغته ضمن العمق الإشكالي الذي يفصله عن ما قد يقع فيه من تظنن وادعاء يتحول بموجبه إلى كلي قد فقد كليته: ففي أي وضع يفقد الكلي كليته ؟ ليتحول إلي نمط من الشمولية أو الكلية الفارغة ؟ ما المطلوب في الكلي حتي يكون كليا ومبدأ لتعقل الأشياء وليس إخفاء وتستر لها؟ كيف نجعل من الكلي نداء للأشياء بأن تحضر هنا وليس أن تبتعد عنا في أنماط من الكليات التي تفصلنا عن العالم؟ هل الكلي مبدأ لإقامتنا أم للمغادرة ؟ مبدأ للتحرر أم للاغتراب؟.
منزلة الكلي في التفكير الشائع منزلة الكلي في التفكير الميتافزيقي الأرسطي منزلة الكلي في الفلسفة الهيجلية
طبيعته يرتبط بمعرفة كل الأشياء أي الوحدة التي تأتي تجميعا للأشياء فالكلي ما لا ينقصه أي جزء من الأجزاء.فهوالشامل .
- يتعلق بمعرفة الأشياء العويصة ، الصعبة بتجاوز مظاهرها نحو رصد ما هو مشترك بينها .
**الكلي هو ما هو متجاوز لما هو حسي ، جزئي مثال الأشياء الزرقاء .فهو يتعلق بكل الأشياء الزرقاء. -يرتبط بمعرفة علل الأشياء. ويصنف أرسطو العلل إلي أربعة:
1-العلة المادية فهي المادة أو الهيولي وما منه الشئ كحجم الطاولة أو العلة المادية للتمثال.
2-علة فاعلة وهي بما يُصيِّر الشئ كالفنان الذي صنع التمثال.
3- العلة الصورية أو الصورة وهي ماهية الشيء ومجموع الخصائص التي يتم بها كماله كشكل التمثال وما هو عليه.
4- العلة الغائية أو التي ما من أجله الشيء وهي هنا الغاية التي قصد إليها الفنان حين صنع التمثال.
←يمكن رد العلل إلي علة واحدة وهي الصورية .فالعلة الصورية تسمي غائية م حيث أنها الصورة النهائية التى يتطلع إليها الفاعل عندما يشرع في عمله كما أن صورة الشيء مبنية علي الغاية منه متضمنة في ماهيته. وكذلك العلة الفاعلة يمكن إرجاعها إلي الصورية وذلك لأن الفاعل إنما يحقق الصورة في الشيء المراد تحقيقها فيه. فالصحة التي في ذهن الطبيب هي وسيلته لشفاء المريض فصورة الصحة التي هي غاية الطبيب فهي إذا المحركة له وبذلك تكون العلة الفاعلة جزء من العلة الصورية، متضمنة في ماهيتها. وهكذا فإن العلة الغائية والفاعلة والصورية هما شئ واحد إذ يرتد البعض إلي البعض الآخر إلي حد الوقوف عند العلة الحقيقية وهي العلة الصورية.
- الكلي هو الجوهري ،المتجاوز لما هو حسي هو " الأكثر بعدا عن الإدراكات الحسية". -إن الكلي الميتافزيقي ليس إلا فكرة شمولية، فارغة غير متعين تدعي أنها حقيقية ولكنها مجرد ظن لما فيها من تعال ، تجريد وثبات و من ثمة لا تمثل وسائط للتفكير بل إنحراف به نحو أنماط من؛ الظن ومن ثمة فإن
*الكلي ليس مجرد مقابل للجزئي بل إن الكلي لِيكون كليا يجب أن يكون قابلا للحركة وذلك يتولد من كونه يحمل في ذاتة ما ليس هو ما هو هو وليس هو بالنسبة لما يمكن أن يصير عليه . إن الكلي دائما منفتح علي كلي أو ما هو آخر ولا تهدأ حركته ضمن اللاتعين تطابقا نهائيا مع كماله المطلق وفي ذلك حقيقته وإطلاقيته.
*الكلي محايث لذاته بتناقضه وهو بالتالي تاريخي نصل إليه في الأخير ومن ثمة ليس هناك كلي إلا ه و توسطي توسيطي فهو ليس مجرد فكرة بل فكرة تفكرية .
*هو كلي حقيقي لأنه متعين ، يحمل خبرة آلاف السنين فهو لا متناه فهو كلي متعين ككلي مطلق
قيمته - معرفة من أجل غاية ، مصلحة – مورط في الجزء .
- توظيف الكلي نحو السيطرة والاستمالة.
←الكلي في خدمة الجزئي أو هو الجزء مرفوع إلى كل .ولذلك يقع في خلط إذ أقصي ما يتعين من خلاله هو الظن بأننا ندرك ما هو حقيقي.
-معرفة من أجل المعرفة أي غاية في ذاته.
- معرفة ننشد بها الحقيقة.
← الكلي في خدمة الكلي.فهو مبدأ معرفة الأشياء والغاية التي تجري إليها. وهذه الغاية هي الخير الأسمي.
قيمة ذاتية من ناحية ترتفع من خلاله الذات إلى إدراك ذاتها والوعي بها توسطيا .
- قيمة موضوعية من جهة أن هذا الوعي الذاتي يبقي وعيا فارغا ما لم يرتفع إلى ما هو كلي بحق وهو ما يقتضي منها تجاوز انانتها للمصالحة مع النحن وفي ذلك كمال لإنسانيتها وتحقق معقوليتها في وحدة ليست تجريدية بل تاريخية متعينة .
ملاحظة: لقد تعين الكلي على أنه الخاصية الأساسية لتفكير الإنسان ، فهو إنساني من جهة أن الحيوان لا يدرك إلا ما هو جزئي، مباشر.إن الإنسان قد طبع الكلي بانتماءاته المختلفة أي بواقع مساءلته للموجود والوجود فإما هو مجرد امتداد لخبرة حسية أقصي ما يتحقق فيها هو ما هو شمولي ، ولذلك فإن الكلي يتخذ بعد التجاوز ولكنه يبقي مع ذلك في أبسط معاني التجاوز كتجريد يستبدل الأشياء بوحدة لا تؤخذ إلا على معنى توحيد الكثرة وتجميع لها في نمط من الشمولية لا تحتمل صلابتها في ذاتها إلا بما هي الوجه المقلوب للعالم الحسي. وإما هو كلي وقد تعين من خلال المساءلة الفلسفية وخصوصيتها الميتافزيقية يقين مجرد وتعال وثبات وهو في ذلك يقين جوهري مكتمل بصورة ثابتة متعين خارج السياق الإنساني والتاريخي.ليكون ما قبلية محنطة تعين مقولات منطقية أو وساطات قيمية ...إن الميتافزيقا أعطت للكلي ما هو حقيقي وما هو منظم ومنحته خاصيته الإشكالية الأساسية من جهة القدرة النقدية التكوينية ، لأن الكلي لم يتكون سواء مثلا أو جواهر إلا من خلال الخطاب الذي عرف كيف يفكه ويحرره مما هو مزعوم ومما و قع عليه من استحواذ من خلال إستراتيجيات سلطوية وخطابية .
إن هذا البعد الإشكالي الذي تكون من خلاله الكلي أعطي له الخاصية الأصلية وهو هذا التجاور الإشكالي وتحويل الكلي إلى مشكل يتعين من خلاله الكلي ضمن خصوصية إشكالية تعود صياغته ضمن الأبعاد المختلفة.إن الميتافزيقا تفشله لأنها تورطه في يقين التمثل فأفرغته وحولته صورة باهتة من الوجود والفكر أو من التمثلية ليكون متراوحا بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي ضمن الفكر الذي يريد أن يعطيه الخاصية التي تجعله كلي حقيقي .
إن ما يعنينا هو :
* التفطن إلي الخاصية الإشكالية لتكوينية الكلي .فالكلي يتكون إشكاليا وبالتالي ليس معطي .ولا حتي متعين بشكل مطلق.
* التفطن إلي المسارات الإشكالية لما هو كلي . إذ أن تنويعاته ليست يقينيات نتداولها أو نبشر بها أو حتى نعلن عنها فلسفيا بل هي نبش في طبيعة انتماءاتنا أي في قدرتنا علي المساءلة والأشكلة كضمانة ليأتي الكلي ليس يقينا محنطا أو بضاعة نستهلكها بل مشكلا يفتح الكلي علي ما هو كلي في كل كلي : لماذا تعين لدينا الكلي بهذه الكيفية كوحدة أو كتعدد؟ كهوية أو كاختلاف ؟ وبهذه المضامين المجردة أو المتعينة ؟ التاريخية أو المتعالية ؟هذا البعد الإشكالي يمتد في العمق الإشكالي لما هو كلي : أية نزعة إنسانية كانت شرطا لهذا الكلي ؟ إن اللقاء الكلي بين الإنسان بما هو كلي هو مشكل الكلي .
*التفطن إلى الأفق الإشكالي لما هو كلي وذلك لا يتعين إلا تحررا من كل نزعة كليانية وشمولية .
محمد بن رمضان
ثمة علاقة أصلية بين ما هو فلسفي وما هو كلي، والذي تعين المبدأ الأصلي للتجربة الفلسفية ذاتها. إن الفلسفة من حيث نشأتها الأصلية ، كانت عبر توسط الكلي بإعطائه المنزلة والمعنى الذي جعله يحيا هنا والآن بعيدا عن كل ممارسة أسطورية . لقد كانت الأسطورة تحكي نشأة العالم المخلدة ، أمجاد الملك الذي يقيم حكمه بين القوى المقدسة نظاما ترتيبيا ...ولم تكن إلا نسيجا من العجائب .
إن الفلاسفة الأول مثل طاليس هم الذين أعطوا للكلي البعد الذي جعل الفكر يتحول إلى النمط المحايث للوجود الطبيعي، إذ من خلال الطبيعة حاولوا تفسير الطبيعة ، فطاليس عين الماء باعتباره مبدأ الأشياء، وهو لا يقصد بالماء مجرد العنصر الطبيعي الذي نعرفه، بل أساسا باعتباره المبدأ الذي يجعل الأشياء المتعددة مفهومة . لقد أعطي الفلاسفة الأول معنى جديدا للأصل ، يصفه وايزمان بقوله " إنها محاولة لجمع المتعدد في الواحد، والواحد ليس جملة المتعدد-الموجودات المختلفة- بل هو الأهم في كل شيء. والأهم نتيجة تقييم معياري . والمعيار عملية عقلية إذ تتجاوز الواقع وإن كان الواقع أساسه . و هذا الواحد هو الكلي ، بمعني الحقيقة الشاملة للكل ما هو موجود، من زاوية العقل".لدلك تفطن جيل دلوز إلي"أن العقل قد تجسد بغتة في أعمال فلاسفة الطبيعة فنزل من السماء إلي الأرض ليظهر لأول مرة في تلك المدينة علي مسرح التاريخ".
إن نشأة الفلسفة إدا اقترنت بالتحول في فهم الكلي وتحويله من التعالي الأسطوري إلي التعالي العقلي ليكون هكذا مبدأ تعقل الموجود بما هو كذلك محايث لما هو طبيعي فهو مبدآ معر وفية الموجود في تعدده ، ومبدأ حوار ونقاش و ليس سرا يحتكره الحكيم ويختص به دون غيره. اقترن الكلي بصيغة مغايرة للفكر والتفكير وتحويله من – العجيب- إلى اللوغوس العقلي وما يقتضيه من حوار ونقاش وهو ما اقترن بالفضاء العمومي أي بوجود المدينة كما ذهب في دلك جان بيار فرنان . فالمدينة أمنت:
أ/تفوق الكلام على كل وسائل السلطة . فالكلام قد غدا الأداة الأساسية بامتياز. مفتاح كل سلطة في الدولة . وسيلة قيادة وسيطرة علي الآخرين. هذه الفعالية للكلام لم تعد مقتصرة على الطقوس الدينية بل أصبحت تجسيدا للحوار وللجدل واستخدام البراهين والحجج في وجه الخصوم وبدلا من أن تكون المسائل التي تخص المصلحة العامة من اختصاص الملك أصبحت توضع تحت نظر الجدل والنقاش.
ب/الدعوة العلنية لكل مظاهر الحياة الاجتماعية وأصبح الحوار والبرهنة والجدال قواعد اللعبة الفكرية والسياسية على السواء
ج/ أفول الأصنام الدينية . فالحماية التي كانت تؤمنها العناية الإلهية سابقا للمحظوظين ستكون من الآن فصاعدا من نصيب كل الجماعات.العبادة أصبحت شعبية والمعبد أضحي مفتوحا أمام الجماهير.
لخص فرنان التحول العميق في بنية الخطاب الفلسفي وتعيينه الكلي مبدأ تعقل و ممارسة"أحدث الفلاسفة الأول مفاهيم تدل على نظام كوني لا على قوة الإله جبار وسلطة ملكية وإنما علي قانون عدالة منحوتة علي الطبيعة وقاعدة توزيع"نوموس" تفترض بالنسبة لجميع العناصر المكونة للعالم نظاما متكافئا بحيث لا يستطيع أي عنصر أن يطغي . إنه توجه هندسي من حيث أن الأمر لا يتعلق بنسج تسلسل أحداث روائية وإنما باقتراح وإضفاء صورة على العالم أعني أن نعرض علي الأنظار مسار الأمور ومجراها بأن نضعها في إطارها المكاني:هذا لم يكن معجزة إغريقية"
إذا تعين الكلي قوام للتجربة الفلسفية ضمن البعد الذي يجعلها تحضر خطابا مغايرا لغيره فإن الفلسفة قد كونت الكلي ضمن البعد الذي لا يكون إلا تكوينا مكوِّنا-بكسر الواو- مكوَّنا-بفتح الواو-من خلال تجذير علاقة الموجود بالوجود: فكيف يتكون الكلي بما هو كلي ككلي والحال أننا نغرق في الجزئي وفيما هو مباشر؟ إن ما يتكون لا يكون إلا ضمن الخاصية التي تجعله قابلا للتعديل ولإعادة التفكير ولدلك كان الكلي مكونا تكوينا إشكاليا مفتوحا علي إعادة صياغته ضمن العمق الإشكالي الذي يفصله عن ما قد يقع فيه من تظنن وادعاء يتحول بموجبه إلى كلي قد فقد كليته: ففي أي وضع يفقد الكلي كليته ؟ ليتحول إلي نمط من الشمولية أو الكلية الفارغة ؟ ما المطلوب في الكلي حتي يكون كليا ومبدأ لتعقل الأشياء وليس إخفاء وتستر لها؟ كيف نجعل من الكلي نداء للأشياء بأن تحضر هنا وليس أن تبتعد عنا في أنماط من الكليات التي تفصلنا عن العالم؟ هل الكلي مبدأ لإقامتنا أم للمغادرة ؟ مبدأ للتحرر أم للاغتراب؟.
منزلة الكلي في التفكير الشائع منزلة الكلي في التفكير الميتافزيقي الأرسطي منزلة الكلي في الفلسفة الهيجلية
طبيعته يرتبط بمعرفة كل الأشياء أي الوحدة التي تأتي تجميعا للأشياء فالكلي ما لا ينقصه أي جزء من الأجزاء.فهوالشامل .
- يتعلق بمعرفة الأشياء العويصة ، الصعبة بتجاوز مظاهرها نحو رصد ما هو مشترك بينها .
**الكلي هو ما هو متجاوز لما هو حسي ، جزئي مثال الأشياء الزرقاء .فهو يتعلق بكل الأشياء الزرقاء. -يرتبط بمعرفة علل الأشياء. ويصنف أرسطو العلل إلي أربعة:
1-العلة المادية فهي المادة أو الهيولي وما منه الشئ كحجم الطاولة أو العلة المادية للتمثال.
2-علة فاعلة وهي بما يُصيِّر الشئ كالفنان الذي صنع التمثال.
3- العلة الصورية أو الصورة وهي ماهية الشيء ومجموع الخصائص التي يتم بها كماله كشكل التمثال وما هو عليه.
4- العلة الغائية أو التي ما من أجله الشيء وهي هنا الغاية التي قصد إليها الفنان حين صنع التمثال.
←يمكن رد العلل إلي علة واحدة وهي الصورية .فالعلة الصورية تسمي غائية م حيث أنها الصورة النهائية التى يتطلع إليها الفاعل عندما يشرع في عمله كما أن صورة الشيء مبنية علي الغاية منه متضمنة في ماهيته. وكذلك العلة الفاعلة يمكن إرجاعها إلي الصورية وذلك لأن الفاعل إنما يحقق الصورة في الشيء المراد تحقيقها فيه. فالصحة التي في ذهن الطبيب هي وسيلته لشفاء المريض فصورة الصحة التي هي غاية الطبيب فهي إذا المحركة له وبذلك تكون العلة الفاعلة جزء من العلة الصورية، متضمنة في ماهيتها. وهكذا فإن العلة الغائية والفاعلة والصورية هما شئ واحد إذ يرتد البعض إلي البعض الآخر إلي حد الوقوف عند العلة الحقيقية وهي العلة الصورية.
- الكلي هو الجوهري ،المتجاوز لما هو حسي هو " الأكثر بعدا عن الإدراكات الحسية". -إن الكلي الميتافزيقي ليس إلا فكرة شمولية، فارغة غير متعين تدعي أنها حقيقية ولكنها مجرد ظن لما فيها من تعال ، تجريد وثبات و من ثمة لا تمثل وسائط للتفكير بل إنحراف به نحو أنماط من؛ الظن ومن ثمة فإن
*الكلي ليس مجرد مقابل للجزئي بل إن الكلي لِيكون كليا يجب أن يكون قابلا للحركة وذلك يتولد من كونه يحمل في ذاتة ما ليس هو ما هو هو وليس هو بالنسبة لما يمكن أن يصير عليه . إن الكلي دائما منفتح علي كلي أو ما هو آخر ولا تهدأ حركته ضمن اللاتعين تطابقا نهائيا مع كماله المطلق وفي ذلك حقيقته وإطلاقيته.
*الكلي محايث لذاته بتناقضه وهو بالتالي تاريخي نصل إليه في الأخير ومن ثمة ليس هناك كلي إلا ه و توسطي توسيطي فهو ليس مجرد فكرة بل فكرة تفكرية .
*هو كلي حقيقي لأنه متعين ، يحمل خبرة آلاف السنين فهو لا متناه فهو كلي متعين ككلي مطلق
قيمته - معرفة من أجل غاية ، مصلحة – مورط في الجزء .
- توظيف الكلي نحو السيطرة والاستمالة.
←الكلي في خدمة الجزئي أو هو الجزء مرفوع إلى كل .ولذلك يقع في خلط إذ أقصي ما يتعين من خلاله هو الظن بأننا ندرك ما هو حقيقي.
-معرفة من أجل المعرفة أي غاية في ذاته.
- معرفة ننشد بها الحقيقة.
← الكلي في خدمة الكلي.فهو مبدأ معرفة الأشياء والغاية التي تجري إليها. وهذه الغاية هي الخير الأسمي.
قيمة ذاتية من ناحية ترتفع من خلاله الذات إلى إدراك ذاتها والوعي بها توسطيا .
- قيمة موضوعية من جهة أن هذا الوعي الذاتي يبقي وعيا فارغا ما لم يرتفع إلى ما هو كلي بحق وهو ما يقتضي منها تجاوز انانتها للمصالحة مع النحن وفي ذلك كمال لإنسانيتها وتحقق معقوليتها في وحدة ليست تجريدية بل تاريخية متعينة .
ملاحظة: لقد تعين الكلي على أنه الخاصية الأساسية لتفكير الإنسان ، فهو إنساني من جهة أن الحيوان لا يدرك إلا ما هو جزئي، مباشر.إن الإنسان قد طبع الكلي بانتماءاته المختلفة أي بواقع مساءلته للموجود والوجود فإما هو مجرد امتداد لخبرة حسية أقصي ما يتحقق فيها هو ما هو شمولي ، ولذلك فإن الكلي يتخذ بعد التجاوز ولكنه يبقي مع ذلك في أبسط معاني التجاوز كتجريد يستبدل الأشياء بوحدة لا تؤخذ إلا على معنى توحيد الكثرة وتجميع لها في نمط من الشمولية لا تحتمل صلابتها في ذاتها إلا بما هي الوجه المقلوب للعالم الحسي. وإما هو كلي وقد تعين من خلال المساءلة الفلسفية وخصوصيتها الميتافزيقية يقين مجرد وتعال وثبات وهو في ذلك يقين جوهري مكتمل بصورة ثابتة متعين خارج السياق الإنساني والتاريخي.ليكون ما قبلية محنطة تعين مقولات منطقية أو وساطات قيمية ...إن الميتافزيقا أعطت للكلي ما هو حقيقي وما هو منظم ومنحته خاصيته الإشكالية الأساسية من جهة القدرة النقدية التكوينية ، لأن الكلي لم يتكون سواء مثلا أو جواهر إلا من خلال الخطاب الذي عرف كيف يفكه ويحرره مما هو مزعوم ومما و قع عليه من استحواذ من خلال إستراتيجيات سلطوية وخطابية .
إن هذا البعد الإشكالي الذي تكون من خلاله الكلي أعطي له الخاصية الأصلية وهو هذا التجاور الإشكالي وتحويل الكلي إلى مشكل يتعين من خلاله الكلي ضمن خصوصية إشكالية تعود صياغته ضمن الأبعاد المختلفة.إن الميتافزيقا تفشله لأنها تورطه في يقين التمثل فأفرغته وحولته صورة باهتة من الوجود والفكر أو من التمثلية ليكون متراوحا بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي ضمن الفكر الذي يريد أن يعطيه الخاصية التي تجعله كلي حقيقي .
إن ما يعنينا هو :
* التفطن إلي الخاصية الإشكالية لتكوينية الكلي .فالكلي يتكون إشكاليا وبالتالي ليس معطي .ولا حتي متعين بشكل مطلق.
* التفطن إلي المسارات الإشكالية لما هو كلي . إذ أن تنويعاته ليست يقينيات نتداولها أو نبشر بها أو حتى نعلن عنها فلسفيا بل هي نبش في طبيعة انتماءاتنا أي في قدرتنا علي المساءلة والأشكلة كضمانة ليأتي الكلي ليس يقينا محنطا أو بضاعة نستهلكها بل مشكلا يفتح الكلي علي ما هو كلي في كل كلي : لماذا تعين لدينا الكلي بهذه الكيفية كوحدة أو كتعدد؟ كهوية أو كاختلاف ؟ وبهذه المضامين المجردة أو المتعينة ؟ التاريخية أو المتعالية ؟هذا البعد الإشكالي يمتد في العمق الإشكالي لما هو كلي : أية نزعة إنسانية كانت شرطا لهذا الكلي ؟ إن اللقاء الكلي بين الإنسان بما هو كلي هو مشكل الكلي .
*التفطن إلى الأفق الإشكالي لما هو كلي وذلك لا يتعين إلا تحررا من كل نزعة كليانية وشمولية .








