ميلاد الفلسفة : من الأسطورة إلى الفلسفة
1-عند اليونان ، حيث ازدهرت في المدينة أشكال جديدة للتنظيم السياسي ، لم يتبق من التنظيم السابق إلا بقايا فقدت كل دلالة ومعنى ( .... ) وعندما استقل النظام الطبيعي والحوادث الجوية ( من أمطار ورياح وعواصف وصواعق ) عن الوظيفة الملكية ، فإنه لم يعد يفهم عن طريق ما تحكيه الأسطورة كما كان فيما قبل ، بل أصبح يعرض نفسه في صيغة " أسئلة " أصبح الجدال حولها مفتوحا ( نشأة النظام الكوني وتفسير الحالة الجوية ) هي التي أصبحت تشكل في صياغتها الجديدة مادة التفكير الفلسفي في بدايته .
2-يظهر إذن أن ميلاد الفلسفة قد واكب تحولين ذهنيين عظيمين : ظهور فكر وضعي يتنافر وكل شكل من أشكال الخوارق ، ويرفض التشبيه الضمني الذي تقيمه الأسطورة بين الظواهر الطبيعية والعوامل الخارقة للطبيعة ، ثم ظهور فكر مجرد يخلص الواقع من قوة التغيير التي كانت الأسطورة تفرضها عليه ، كما يقضي على الصورة العتيقة لوحدة الأضداد ليقول بمبدأ الهوية .
3- إن المواكبة التي نلحظها بين ميلاد الفلسفة وحلول المواطن ليست مما يثير اللبس ؛ ذلك أن المدينة تحقق على مستوى الأشكال الاجتماعية ذلك الفصل بين الطبيعة والمجتمع ، وهو فصل تفرضه ممارسة التفكير العقلاني على مستوى الأشكال الذهنية . فمع حلول المدينة انفصل النظام السياسي عن التنظيم الكوني ، وظهر كمؤسسة بشرية تخضع لبحث دائم ونقاش حاد . لقد تدخلت الفلسفة الناشئة في ذلك الجدال الذي لم يكن جدالا نظريا فحسب ، بل كان جدالا يواجه بعنف بين الأطراف المتخاصمة . فالحكمة مكنت الفيلسوف من أن يقترح إصلاحا للخلل الذي أحدثه إرهاصات اقتصاد تجاري . فكان ينتظر منه أن يحدد التوازن الجديد الذي من شأنه أن يستعيد الانسجام المفقود ، وأن يعيد الوحدة والاستقرار الاجتماعيين ، عن طريق الوفاق بين العناصر التي كان تعارضها يمزق وحدة المدينة .
حان بيير فرنان
الأسطورة والتفكير عند الإغريق .
نقلا عن : الفلسفة الحديثة : نصوص مختارة
اختيار وترجمة
محمد سبيلا وعبدالسلام بنعبد العالي . أفريقيا الشرق ، 2001 ، ص 25 / 26








