مرجعيات التفكيك بين الفلسفة والنقد

 
مرجعيات التفكيك بين الفلسفة والنقد


د رجاء الزيدي
 
 
ان التفكيكية المعاصرة باعتبارها صيغة لنظرية النص والتحليل تخرب كل شيء في التقاليد تقريباً ـ كما يقول ليتش في دراسته عن التفكيك ـ وتشكك في الأفكار الموروثة عن العلامة واللغة والنص والسياق والمؤلف والقارئ، ودور التاريخ وعملية التفسير وأشكال الكتابة النقدية.
ولكن المشروع التفكيكي برغم الادعاءات المتكررة بالتمرد والثورة على كل شيء لم ينشأ من فراغ، ولم يكن شأنه شأن اي مشروع نقدي آخر عبر  تاريخ النقد الأدبي الطويل، وفي الوقت نفسه  فإن الارتباط الوثيق بين المزاج الثقافي الذي أفرز التفكيك وتولاه بالرعاية حتى أحاطه بتلك الهالة البراقة لبضع سنوات ، ادى في النهاية الى فشل التفكيك وانسحابه السريع من الساحة الأدبية ويذكرنا ذلك ولاشك، مع الفارق بطموح البنيوية ثم فشلها.
كانت البنيوية تطمح الى تأسيس مذهب نقدي جديد يعتمد في شرعيته على منهج علمي تجريبي، فقد كان العلم يحتل مكاناً بارزاً وكان منهجه فوق الشك، لهذا فقد تبنت المدرسة الجديدة النموذج اللغوي كمدخل وحيد للمقاربة البنيوية للنصوص الأدبية، وحينما تأكد قصور النموذج اللغوي عن تحقيق المعنى من ناحية، وثبت انه لاينطبق على كل الانواع الأدبية بنفس الكفاءة من ناحية ثانية، سقط المشروع البنيوي بسبب فشله في تقديم نموذج عام للتطبيق على جميع النصوص.
 فيما بدأت التفكيكية بالشك ايضاً، لكنه شك المنهج العلمي وأمكانية تحقيق علمية نقدية والذي تحول الى الشك في كل شيء خاصة القراءة الموثوقة للنص والاثيرة، وأرتد التفكيكيون الى ذاتية الرومانسية بلا قيود او ضوابط وأحتضنوا مقولات الفلسفة المعاصرة في بحماس وخاصة فلسفة التأويل اوالظاهراتية وان النموذج الوحيد الذي قدمه التفكيك للحياة الأدبية هو ( اللانموذج)
ومن الناحية التأريخية، لانستطيع دراسة التفكيك في عزلة عن شك العصر لقد ظهرت التفكيكية في بداية دورة جديدة لثنائية اليقين والشك، فالشك في سلطة طرف يعني عودة اليقين الى سلطة الطرف الآخر.
 وهكذا أستمرت التجريبية كمنهج لتحقيق المعرفة اليقينية الى أن شككت الفلسفة الالمانية المثالية بقيادة (كانت) في قدرة الخارج وحده على تحقيق تلك المعرفة، فأصبحت التجريبية بمنهجها العلمي موضع شك قابله يقين في قدرة العقل بمقولاته الميتفيزيقية العليا والسابقة الوجود على ذلك. ثم بدأت دورة جديدة مع عصر العلم والتكنولوجيا نقلت الثقل مرة اخرى الى التجريبية والمنهج العلمي في ظل هذه الدورة الجديدة للثنائية ظهرت البنيوية وازدهرت لفترة في أحضان العلم والتجريب.
 لقد كان للدمار الذي لحق بأوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية دور مهم في بزوغ الاحساس بالرعب والاحساس بالفشل العلمي في تحقيق السعادة والأمان وعاد عصر الشك عنيفاً معربداً . وقد كان رد الفعل النقدي في ( مابعد البنيوية ) هو العودة الكاملة الى الذات والارتماء في احضانها، لكن هذه العودة لم تكن تعني عودة الثقة في قدرات الذات او الداخل او العقل على تحقيق المعرفة، لان موجة الشك الجديدة كانت أكثر شمولاً وعمقاً خيم على العالم.
 كانت تلك روح العصر، ولم يكن مناخ الشك الفلسفي في القدرة على تحقيق معرفة يقينية بعيداً عن( دريدا) واقطاب التفكيك بعد( هيوم وبركلي او نيتشه) ، لكنه كان قريباً حاضراً متزامناً مؤثراً مباشرا في حضور وتأثير عدد من فلاسفة التأويل وعلى رأسهم هيدجر وجادامير. ولم تكن العملية عملية تأثير غير مباشر مارسته الفلسفة على الدراسة الادبية، بل كانت في أحيان كثيرة عملية تداخل واضحة بين المجالين والواقع ان بعض الافكار الاساسية لتفكيك( دريدا) مثل (المعرفة واللغة ، الحضور والغياب، لانهائية الدلالة، ، رفض الثوابت والقراءات المعتمدة، غياب المركز الثابت للمعرفة والتناص ومفهوم التدمير ذاته تتطابق مع افكار هيدجر الفلسفية في التاويل بصورة تتخطى حدود المصادفة او تواتر الفكر.
أن ستراتيجية التفكيك تنطلق من موقف فلسفي مبدئي قائم على الشك، وقد ترجم التفكيكيون هذا الشك الفلسفي نقداً الى رفض التقاليد، رفض القراءات المعتمدة، رفض النظام والسلطة من ناحية المبدأ.
 وان الحديث عن تأثر فكر التفكيك ببعض المدارس النقدية السابقة قد يمثل تناقضاً غير مقبول من البعض إذ كيف نتحدث عن تأثر مشروع جديد بمذاهب او مدارس نقدية يرفضها اصلاً؟
ان التشابه بين مقولات التفكيك ومقولات نقدية سابقة وارد، وان التفكيك تأثر بدرجات متفاوتة بكل المدارس النقديةمن الرومانسية الى البنيوية.
1) الحضور الرومانسي داخل معسكرات التفكيك من خلال العودة الى الذات الكانتية والارتماء في رومانسية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، والبعض يعترض على هذا القول، اذ تكون الذات  في الرومانسية هي ذات الشاعر المبدع وليست ذات المتلقي او الناقد.
2) ان دراسة ستراتيجيات التفكيك هي دراسة حتمية لنظريات التلقي والنقد القائم على أستجابة القارئ، والاهمية التي يكتسبها القارئ والدور الاساسي الذي يلعبه في تفسير النص.
3) ان التداخل بين استراتيجية التفكيك ونظرية التلقي التي سبقت التفكيك ومهدت له وتزامنت معه، دفع بعض النقاد الى الحديث عن الاثنين في نفس واحد.
4) يؤكد مؤرخو النقد بأن التفكيك الذي دمر مدرسة النقد الجديد، لم يتورع عن تبني بعض المقولات الاساسية له.
5) أثرت البنيوية تأثيراً كبيراً على ستراتيجيات التفكيك، حيث ان التفكيكيين خرجوا من رحم البنيوية بعد ان فشل المشروع البنيوي في تحقيق طموحاتهم.
6) يمثل التفكيك تمرداً على البنيوية من ناحية وامتداداً لها من ناحية اخرى، أما التقويض فهو المصطلح الذي اطلقه الفيلسوف الفرنسي (جاك دريدا) على القراءة النقدية المزدوجة التي اتبعها في مهاجمته الفكر الغربي الماورائي منذ بداية هذا الفكر حتى يومنا هذا.
وقد حاول بعضهم نقل هذا المصطلح الى العربية تحت تسمية (التفكيك) لكن مثل هذه الترجمة لا تقترب من مفهوم (دريدا) على ان التقويض اقرب الى مفهوم دريدا من التفكيك. فالتقويض على نقصه لايلتبس بمفهوم ديكارت وميكانيكية تفكيكه للمفاهيم، فضلا عن ذلك فالتقويض لا يقبل مثل ما يذهب اليه اهل (التفكيك) في مقولة (البناء بعد التفكيك).
كما ان مفهوم التقويض يتناسب مع الاستعارة التي يستخدمها (دريدا) في وصفه للفكر الماورائي الغربي، اذ يصفه باستمرار انه (صرح) او (معمار) يجب تقويضه، ولئن  انطوى مفهوم التقويض على انهيار البناء، فان اعادة البناء تتنافى مع مفهوم (دريدا) للتقويض، اذ يرى في محاولة اعادة البناء فكرا غائباً لا يختلف عن الفكر الذي يسعى (دريدا) الى تقويضه.
ويرى (دريدا) ان الفكر الغربي قائم على ثنائية ضدية عدائية تأسس عليها ولا توجد الا بهذه الثنائية، كثنائية العقل / العاطفة، العقل / الجسد، الذات / الآخر، المشافهة / الكتابة، الرجل / المرأة، وما الى ذلك، ان هذا الفكر دائما يمنح الامتياز والفوقية للطرف الاول ويلقي بالدونية والثانوية على الطرف الثاني. هذا الانحياز الاول على الثاني هو ما يسميه (جاك دريدا) بـ (التمركز المنطقي) اي تمركز اللفظ والنطق.
تعد التفكيكية deconstruction اهم حركات ما بعد البنيوية في النقد الأدبي، فضلا عن كونها الأكثر اثارة للجدل ايضا، وربما لا توجد نظرية في النقد الأدبي قد اثارت موجات من الاعجاب وخلقت حالة من  النفور والامتعاض مثلما فعل التفكيك في السنوات الاخيرة، فمن ناحية نجد ان بعض اعمدة النقد مثل (ج. هليس ميلزوبول دي مان وجيفري هارتمن وهارلد بلوم) هم رواد التفكيك على الصعيدين النظري والتطبيقي، ومن ناحية اخرى نجد ان الكثير من النقاد الذين ينضوون في خانة النقد التقليدي يبدون سخطهم على التفكيك الذي يعدونه شريرا ومدمرا، فهل ان التفكيك مدمر حقا؟.
فلا يمكن الاجابة عن هذا السؤال الا بعد فهم مفاهيم التفكيك الاساسية وتقويمها.
ان التفكيكية هي محاولة مقصودة لقلب انماط مصادر التفسير ضد اي اصطلاح صلب لمنهج او لغة، وقد انبثقت من خلال اصطدام الفكر البنيوي المتقدم بتقاليد النقد الاميركي الجديد الذي ابدى اشارات عن وجود مؤشر داخلي وشك ذاتي.
غير ان التفكيكية لها وجه نقاشي اكثر صلابة يبدأ من نفس دوافع التساؤل المماثل ولكنه يصل الى اهداف مختلفة. وان قراءاتها بالرغم من انها تشكك بالمنهج والنظام فانها تناقش بقوة بعيدا عن لغة (هارتمان) العلمية، اذ انه ينتمي للوسط الاكاديمي ويحاول تسفيه آراء (جاك دريدا) الذي يعد مصدرا قويا لهذه المقالة النقدية، وكذلك بول دي مان الذي يعد اقوى مؤازريها في اميركا.
وان التفكيكية هي فك الارتباط او تفكيك الارتباطات المفترضة بين اللغة وكل ما يقع خارجها، اي انكار قدرة اللغة على ان تحيلنا الى اي شيء او الى اي ظاهرة احالة موثوقاً بها.
ويؤكد (نيوتن غارفر) ان دريدا واحد من فلاسفة اللغة، وانه ينضوي تحت لواء الحركة التي تنظر الى الأثر الذي تلعبه الملفوظات في الخطاب العقلي، ويرى (ميلر ) ان التفكيك بحث في الأرث الذي يخلفه المجاز والمفهوم والسرد في احدهما الآخر، ولهذا السبب يعد التفكيك حقلا معرفيا بلاغيا، ويعتقد (كريفر) ان دريدا بنيوي نقدي تغلب على البنيوية وقهرها، وان الهجوم الذي شنه دريدا يعد شكلا اكثر حداثة لذلك الهجوم الذي شنه افلاطون على الشاعر بوصفه خالق اساطير.
والتفكيك حقل تحكمه قواعد وانظمة ولغة خاصة يصعب على المبتدئ فهمها، الا ان الحقيقة مختلفة، فنحن لدينا قواعد وانظمة ولغة خاصة في النظريات النقدية التقليدية اكثر مما في التفكيك.
وان مهمة التفكيكية هي تقديم ممارسة نظرية لقراءة النصوص، وفعاليتها الرئيسة هي فعالية القراءة، وليس التأويل كما هوفي الهرمينوطيقا، وليس التحليل كما هو في السيميولوجيا. فالتفكيكية هي قراءة النصوص قراءة تستبعد تأويل الاعمال الفنية.
ولا تقيم التفكيكية حاجزا بين نوع القراءة القريبة المناسبة للنص الأدبي والستراتيجيات التي تتطلبها اللغة النقدية..، والتفكيكية هي الافضل لتوفير النصوص، وهي نشاط قراءة يبقى مرتبطا بقوة بالنصوص واستجوابها ولا يمكن ان يوجد مستقلا كنظام مفاهيم فاعلة قائم بذاته
.
 
التاريخ:Saturday, January 27
اسم الصفحة: الصفحة الاخيرة لجريدة الصباح
 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية